الحداثة بين الرأي والأثر

عند علماء الأصول، عبارة يستفتحون بها كل مسألة قبل استعراضها، وهي تحرير محل النزاع، لكن الغريب أن بعض الأصوليين تناسوا أثناء الجدل، مدارسهم الفقهية، ولهذا بقوا مختلفين، صحيح أن المدرستين هما الشهيرتان كخط عريض يجمع ما اندرج تحتهما من رؤى فقهية ذات انتماءات فلسفية متشعبة تشعب الصراعات السياسية التي خلقتها، وأقصد بالمدرستين مدرسة أهل الأثر ومدرسة أهل الرأي، وكلاهما يقران بالخلاف بينهما دون الدخول في متاهات الاتهام بالتغريب!!، وهذا هو مفتاح الأسابيع الطويلة التي أمضتها صحيفة الوطن في خلافات غير منتهية على مسائل فقهية متنوعة أُتهمت فيها النوايا، ولا أعلم ما هو موقف فقهاء الأثر من رأي الأحناف في تزويج المرأة لنفسها؟! كمثال دون الدخول في ردود العجز من اتهام بالعمالة والتغريب.
في الثمانينات الميلادية، دارت صراعات ثقافية، قاعدتها إيقاف الحداثة كمفهوم للحياة، لكن المراقب يلاحظ أن ميدان الصراع كان لغويا في المقام الأول، فالحداثة تتميز بقاموسها الذي لا يتعايش في جو مدرسة الأثر بقدر ما تنمو الحداثة في أي مجتمع إسلامي ذي منزع فقهي لمدرسة الرأي ـ تركيا مثلا ـ ولهذا فعندما يتأمل الفرد مثلا كلمات الحداثة في قاموسها الشعري يجد أن اللغة لا تقبل النظر النصي، بل تريد الفهم المتجاوز للحصول على موسيقى المعنى بدلا من موسيقى اللفظ، وهذا ما لم تعتده مدرسة الأثر، بل وحاربته لأسباب عديدة من أهمها أن انتشار الفكر الحداثي سيقلب مدرسة الأثر إلى مدرسة رأي على المستوى الفقهي، بل إن العامة عندما يتجاوزون النظر البسيط للنص، إلى تعمقات ذهنية متقدمة في تساؤلاتهم، سيضطر الفقيه إلى الأخذ بأدوات مدرسة الرأي التي يرفضها مسبقا، ولا يتقن أدواتها، ولهذا فمدرسة الأثر تمقت الأسئلة الفكرية العميقة.
لا تشغلنكم تلك الدعاوى التكفيرية ضد الحداثة، فالتكفير ليس سوى إعلان عجز عن الرد على المد الحداثي آنذاك، ولكن المكفرين تناسوا أن قاموس الحداثة قد استلبهم أيضا، بل استلب حتى لهجتنا العامية فكانت القصائد الشعبية قد بدأت تتشبع ببعض الرؤى والمفردات الحداثية، وما زلت أذكر ذلك اللقاء مع أحد رموز الممانعة الذي لم يستطع الحديث عن الحداثة إلا من خلال قاموسها المتطور بمفرداته، ومنها كلمة الممانعة التي ما زال يعاني منها، رغم أنه في نهاية الحلقة شكره المذيع على قائمة اتهاماته الطويلة والعريضة بالتغريب لكل من ذكرهم من الحداثيين… إلخ، ولكن المذيع مشكورا، قبل أن ينهي الحلقة، وقبل انصراف ضيفه، نبه الإخوة المشاهدين، إلى أهمية الحلقة القادمة، عن فوائد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، فهل شعر الضيف في أي عصر هو؟!
طبعا المدارس الفكرية تصنع دوغمائييها التابعين لها، والذين لا يستطيعون الخروج من هيمنتها، ومدرسة الأثر من أشد المدارس انغلاقا على ذاتها لطبيعة تكوينها الفكري، الذي لا يستطيع مقاومة المدارس الفكرية ذات النزعة الفلسفية العميقة، إلا عن طريق استعارات ضعيفة من مدارس أخرى، كما فعلوا منذ القدم عندما استعاروا أقوال المدرسة الأشعرية ليردوا على المعتزلة.
والذي لا يمكن تجاهله، أن البناء الذهني للمتلقي في بدايات طلبه العلمي، له الدور الأكبر في رهانات مواقفه المستقبلية، فعندما يمنع من كتب المتكلمين وأهل الرأي، وإذا عرضت عليه عرضت في معرض التفسيق والتبديع، ومع تقدم العمر بالطالب وتسنمه مواقع اعتبارية مهمة كما يراها في هرم مدرسته الفكرية المنغلقة، فإنه يعود وقد تصلب فكريا، ولا يستطيع ذهنيا أن يتناغم مع متغيرات الحياة التي يحول بينها وبينه جمود واقعه الفقهي، فالتجديد الفقهي يدور في نظره حول منطقة ضيقة لا تتجاوز مسلمات مدرسته فقط، وما عاشه طيلة سنينه الماضية، والتي حرم فيها من الاطلاع الحر، يجعله يرى المتغيرات العالمية حوله، فينكفئ إلى حتميته الخاصة المرتبطة بشعارات طوباوية لا تمت إلى الواقع بصلة، قد يحتاجها السياسي فيحافظ عليها لا اقتناعا بها، بقدر ما هي سياسة الاحتواء، التي تستلزم تلك الاستراتيجية لمتغيرات عالمية أخرى.
بعد هذه السنين الطويلة التي مرت على الحداثة منذ الثمانينات وحتى الآن، ندرك أن رجالاتها كانوا يكتبون في المتن خطوطهم العريضة، رغم موقعهم في الهامش آنذاك، فيما معارضوها انشغلوا بمكاسب البقاء في المتن والتأليف ضد الحداثة من داخل المتن، ليتفاجأوا بكتاباتهم وكتبهم رغم قسوتها ولاإنسانيتها، وقد قفزت مع الزمن لتحتل لها موقعا متميزا في الهامش، ولتصنع لها ضجيجها العريض في الهامش أيضا، لكن المتن الذي قلقوا عليه كثيرا وعلى مواقعهم فيه بدأ يحمل قاموس الحداثة فها هو الخطيب الإسلامي يطرح رؤى الديموقراطية والتعددية، متناسيا أن موقعه في المتن لا يعني احتلاله له، إذا كان لسانه يلهج بكل الرؤى الحداثية التي لم يرج الحداثيون القدامى سواها، رغم إرجاف المرجفين آنذاك بدعاوى استحلال الدماء المبطن والظاهر.
الصراع كان في البدء حول الكلمة، المفردة، اللغة، ولهذا فالمراقب يجب أن يتابع القاموس اللغوي المستخدم في أدبيات كل تيار، فإذا بدأ بالتغير فسيدرك تلقائيا من يحتل من، ومن يهيمن على من، ولا يغرنه من يراه في المتن أو الهامش، فتلك سجالات عاشتها تيارات فكرية متعددة، منذ صراعات ما بعد خلافة علي رضي الله عنه حتى الآن، والتي لم تسلم من الطموحات السياسية، ولم تكن نقية منها، ولو أسرفت في تقصير الإزار أو إسباله.
ولهذا فإن ما نلحظه من تقدم فكري مفاجئ لمدرسة الأثر، ليس سوى حفاظ على آخر خيوط بقائهم في المتن، وهو زمام المبادرة، وذلك قبل أن يفلت من أيديهم، رغم أن الكتابة في المتن لم تعد في أيديهم، ولكن جوكر المبادرة هو ما يظنونه سيعلن انتصارهم على من يلوون ألسنتهم بالحوار معه، وتلك استماتة البقاء في المتن، ولو كان بدور داعية يحمل خطابا ذا قاعدة فكرية حداثية، يستفتحها بالحمدلة، وينهيها بالصلاة على النبي الكريم.
بقي أن نتساءل عن دور عرابي الفكر، لكل التيارات، هل يستطيعون إدراك الخطأ الأكبر عندما نسلم برؤى الغرب في مصطلح ما بعد الحداثة كمستقبل للعالم، إن الامتداد الرأسمالي عندما يصنع مستقبله ويقرره علينا كاليقين، فإنه يذكرنا بأطروحات المدرسة الماركسية التي ظنت المستقبل لها، بعد المرور بالمرحلة الاشتراكية لنصل لمرحلة الشيوعية كمستقبل للعالم، ثم نكتشف وهم رؤاها لتصبح أطلالا لا تحمل من معناها سوى الاسم، كأحزاب اشتراكية، فرنسية أو ألمانية… تصارع في خضم أحزاب أخرى تعمل جميعا تحت راية من الإنسانية الخالدة.
ما نعلمه قطعا من الاستقراء المتواضع للتاريخ، أننا مقبلون على ملامح مستقبل إنساني أفضل، بعيدا عن وعود بوش بصناعة الإنسان الديموقراطي، التي تذكرنا ببحث هتلر عن صناعة الإنسان الأقوى، والنتيجة حرب عالمية قامت لتحمل في ثناياها أبشع صور العصبية في العرق والدين واللون والطبقة.
انتهت الحرب العالمية، لنخرج بمقررات عالمية تحمي سيادة الدول ككل، ثم الشعوب كجزء من هذا الكل، وأغلب الظن أننا سنخرج من هذه الحرب بمقررات تراعي الشعوب في المقام الأول على حساب الدولة، وهنا ندخل في موضوع السيادة الذي نلحظ ملامح تغيراته لصالح الفرد، مما يستدعي ثقافة عليا لمعنى الوطنية بشكل عميق، وذلك لن يتأتى إلا بتجاوز معنى الرعية، إلى معنى المواطنة، كحقوق وواجبات، تتجاوز مآسي فقيه يعلن أن الأمريكي في الدولة القطرية يأخذ معنى الذمي متناسيا أن فقهه سيعجز عن حل المسألة إن كان الأمريكي مسلماً، فهل سيسقط عنه الجزية؟!أم يفتح له الحدود؟! ـ علما بأن في الجيش الأمريكي ما يقدر بخمسة عشر ألف عسكري مسلم ما بين ضباط وجنود ـ المسألة يجب أن نراها وفق إنسانيتنا وفهمنا لديننا بعيدا عن الإفهام القسري من لدن متعصبين، ولهذا فهي من التعقيد بحيث لا تستطيع مدرسة فكرية أن تزايد على أختها أو تلجمها بحجة الإحاطة بعلم الأولين دون الآخرين، أما زمام المبادرة فميزته الوحيدة أنه كالشراع، من يملكه لا يهتم كثيرا باتجاه الريح إن كان فقط ربانا قديرا، وتلك سياسة تفرق ما بين نشر الشراع مرة، وطيه مرة أخرى، ومن يمتلك هذه القدرة فهو قطعا يعرف أن ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s