بين الكلمات

في بادرة جديدة لحل أزمة البطالة، طالب الكاتب المميز سعد الدوسري إعلامياً أن يشق المسؤول ثوبه أمام وزير المالية، كحل لأزمة البطالة، وهو حل لم يأت أحدٌ به من قبل كمخرج للأزمة الحالية، لكن دعوة شق جيوب الثياب ليست جديدة، فقد تكون لها خلفية دينية.. وأحياناً رمزية سياسية، أو قد تكون تعبيراً عن حالة حزن أو طرب.. أو أن تحدث عفوياً في رقصة زار.

كان شق الجيوب مصدر خلاف على مر القرون في مدارس الفقه التاريخية، لكن رمزيته السياسية ظهرت بعد مذبحة كربلاء، فأهل السنة والجماعة كانوا متفقين على حرمة شق الجيوب ولطم الخدود، «فليس منا من شق الجيوب».. وهم بذلك يمنعون ذكرى مقتل الحسين التي يصاحبها شق ولطم ومظاهرات سياسية، من أجل الحد من آثارها الدموية، بينما كان يجد بعض علماء الإثني عشرية في شق الجيب أمراً طبيعياً ينساق إليه المصاب بدفعة طبيعية عفوية إذا ألحت عليه المصيبة، وكانت أكثر من احتمال أعصابه.. لأنّ الإنسان حسب مراجعهم لا تمر عليه مصيبة إلا وترتفع درجة توتره، وتزداد ضربات قلبه، فيحتاج إلى مزيد من التهوية حتى لا يصاب بما هو أسوأ، وبذلك تسرع الرئة في التنفس، ويحتاج القلب إلى التهوية أكثر، وفي حالة عدم قدرة الرئة على توفير هواء لحركة القلب المتسارعة، يبادر المصاب إلى شق جيبه بإيحاء طبيعي.. وذلك من أجل راحة قلبه، ويكون أثره على القلب إيجابياً إذا صدر الشق بلا وعي تام، وقد يؤدي ذلك إلى إنقاذ المصاب من السكتة القلبية حسب أدبيات بعض الفقهاء.

يذكر أيضاً تاريخ شق الجيوب أن موسى الهادي شق ثوبه طرباً في جلسه غنائية مع إبراهيم الموصلي، وقد فعلها على مراحل، فقد شق الجيب أولاً إلى الصدر، لكنه مزقه بعد ذلك إلى أدناه، وذلك من شدة الطرب.. كما ارتبط شق الثياب بالزار والسامري، وهو رقص يعتمد على الإيقاع السريع، وتختلف درجاته من رقصة إلى أخرى، والذي حسب رواياتهم يثير قرع الطبول عند البعض حركات الرقص الجنونية، والتي عادة ما يتخللها شق للثياب وبلع للجمر.

قد يشعر بعض المسؤولين في الوقت الراهن بإلحاح المصيبة، وباختناق في شأن أزمة البطالة، ويبدو أنهم أيضاً يلاقون صعوبة في تمرير الحلول، لذلك لم يعد أمامهم إلا حل شق جيوبهم، وكما قيل ما دون الحلق إلا اليدين، والتي عادة ما تقوم بمهمة شق الجيب من أعلاه لفك الاختناق.

لكنني أعتقد أن الإعلامي سعد الدوسري لم يدر في خاطره شيء من ذلك عندما طالب المسؤول بشق الثوب، فلم تأت دعوته من خلفية مؤدلجة باللطم وشق الجيوب، لكن لأنه شخصية من الرعيل الرياضي القديم، وكان يريد منها إثارة الحماس في المسؤول، ففي زمن الأبيض والأسود كانت الجماهير إذا أرادت رفع درجات حماسة اللاعب إلى أقصى حد، يطلقون صيحات مثل «شق الفنيلة يا مبارك» أو «شق الفنيلة يا غراب».

يذكر التاريخ الرياضي أن اللاعب الشهير مبارك عبد الكريم كان مشاركاً في إحدى المباريات، التي كان فيها الهلال مهزوماً، وعندما صاحت الجماهير: شق الفنيلة يا مبارك، مزقها بيديه من الجيب ثم قلبَ النتيجة لصالح الهلال، لذلك أنا أضم صوتي لصوت الزميل سعد الدوسري.. وأقول: شق «الفنيلة» يا معالي وزير العمل.. واقلب النتيجة لصالح الوطن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s